الشوكاني
36
فتح القدير
بالعلم ( واستغفر لذنبك ) أي استغفر الله أن يقع منك ذنب ، أو استغفر الله ليعصمك ، أو استغفره مما ربما يصدر منك من ترك الأولى . وقيل الخطاب له ، والمراد الأمة ، ويأتي هذا قوله ( وللمؤمنين والمؤمنات ) فإن المراد به استغفاره لذنوب أمته بالدعاء لهم بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم ( والله يعلم متقلبكم ) في أعمالكم ( ومثواكم ) في الدار الآخرة ، وقيل متقلبكم في أعمالكم نهارا ومثواكم في ليلكم نياما - وقيل متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم في الأرض : أي مقامكم فيها . قال ابن كيسان : متقلبكم من ظهر إلى بطن في الدنيا ، ومثواكم في القبور . وقد أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال : أنت أحب بلاد الله إلى ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك لما أخرج ، فأعتي الأعداء من عتا على الله في حرمه ، أو قتل غير قاتله ، أو قتل بدخول الجاهلية " فأنزل الله ( وكأين من قرية ) الآية . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( أنهار من ماء غير آسن ) قال : غير متغير . وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها " . وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده والبيهقي عن كعب قال : نهر النيل نهر العسل في الجنة ، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة ، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة ، ونهر سيحان نهر الماء في الجنة . وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ( حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ) قال : كنت فيمن يسأل . وأخرج عبد بن حميد من وجه آخر عنه في الآية قال : أنا منهم ، وفي هذا منقبة لابن عباس جليلة لأنه كان إذ ذاك صبيا غير بالغ ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مات وهو في سن البلوغ ، فسؤال الناس له عن معاني القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ووصف الله سبحانه للمسئولين بأنهم الذين أوتوا العلم وهو منهم من أعظم الأدلة على سعة علمه ومزيد فقهه في كتاب الله وسنة رسوله ، مع كون أترابه وأهل سنه إذ ذاك يلعبون مع الصبيان . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس : ماذا قال آنفا ؟ فيقول كذا وكذا ، وكان ابن عباس أصغر القوم ، فأنزل الله الآية ، فكان ابن عباس من الذين أوتوا العلم وأخرج ابن أبي شيبة وابن عساكر عن ابن بريدة في الآية قال : هو عبد الله بن مسعود . وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : هو عبد الله بن مسعود . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) قال : لما أنزل القرآن آمنوا به ، فكان هدى ، فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى . وأخرج ابن المنذر عنه ( فقد جاء أشراطها ) قال : أول الساعات ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " بعثت أنا والساعة كهاتين ، وأشار بالوسطى والسبابة " ومثله عند البخاري من حديث سهل بن سعد . وفي الباب أحاديث كثيرة فيها بيان أشراط الساعة وبيان ما قد وقع منها وما لم يكن قد وقع ، وهي تأتي في مصنف مستقل فلا نطيل بذكرها . وأخرج الطبراني وابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الاستغفار " ثم قرأ ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي